الذائقة الرقمية: كيف تُشكّل المنصات وَعينا الجمالي؟

لم يعد الجمال تجربة فردية خالصة كما كان؛ بل أصبح حصيلة تفاعل يومي مع تدفّق بصري لا ينقطع، تصوغه المنصات وتعيد ترتيبه باستمرار. نحن لا نختار ما نراه فقط، بل ما نراه هو ما يدرّب أعيننا على الاختيار. ومع كل تمرير سريع، يتشكّل في داخلنا معيار جديد للجمال—أسرع، أخف، وأكثر قابلية للانتشار.

في هذا السياق، لم تعد الذائقة تتكوّن عبر مسارات بطيئة وممتدة، منها زيارة معرض أو قراءة كتاب، بل عبر لحظات خاطفة لا تتجاوز ثوانٍ. أصبحت الصورة تسبق النص، والانطباع يسبق التأمل، وردة الفعل الفورية تحل محل القراءة العميقة. لم يعد السؤال الجمالي: “ما المعنى الذي يحمله هذا العمل؟” بقدر ما أصبح: “هل لفت انتباهي؟”. وهكذا تحوّل الجمال من تجربة تُعاش إلى أثر يُلتقط.

غير أن ما نراه على الشاشات ليس عفويًا. المنصات لا تعرض العالم كما هو، بل تعيد تشكيله وفق ما تتعلّمه عن المستخدم. الخوارزميات تراقب التوقّف، ومواضع الانتباه، وأنماط التفاعل، ثم تبني على ذلك اقتراحاتها التالية. ومع تكرار هذا النمط، تتكوّن فقاعة بصرية تتشابه فيها الألوان والزوايا والأساليب، ضمن دائرة تعيد إنتاج نفسها. يبدو أن الاختيار حرّ، لكنه في كثير من الأحيان موجّه بلطف، عبر نظام يفضّل المألوف ويكافئ ما أثبت نجاحه.

ومن هنا تتجلّى إحدى أبرز إشكالات المشهد الرقمي: أزمة الأصالة. في بيئة تكافئ ما ينتشر، يصبح التكرار خيارًا آمنًا. ما ينجح يُعاد، وما يُعاد يترسّخ، وما يترسّخ يتحوّل إلى معيار. تتقارب التصاميم، وتتطابق الأساليب، وتبهت الفروق الدقيقة التي تمنح كل تجربة فرادتها. ليس لأن الإبداع غائب، بل لأن المختلف يحتاج وقتًا ليُفهم، والمنصات—بطبيعتها السريعة—لا تمنح هذا الوقت دائمًا. وهكذا يصبح التميّز مغامرة، والأصالة صبرًا طويلًا.

أمام هذا التدفّق، لم تعد الذائقة مجرد تفضيل شخصي، بل مسؤولية معرفية وجمالية. بناء ذائقة واعية لا يعني رفض الجمال السريع، بل تجاوزه إلى ما هو أعمق. يتطلب ذلك التباطؤ أمام ما يُعرض، وطرح أسئلة تتجاوز السطح، وتوسيع مصادر التلقي خارج ما تقترحه الخوارزميات. فليس كل ما يجذب عميقًا، وليس كل ما ينتشر جديرًا بالبقاء.

في النهاية، لا يمكن الانفصال عن تأثير المنصات، لكن يمكن التعامل معه بوعي. تظل هناك مساحة للاختيار: أن يُرى المحتوى بوعي، وأن يُعاد تعريف ما يُعدّ جميلًا. في عالم تُصاغ فيه الصور بسرعة، تصبح القدرة على التمييز فعلًا ثقافيًا… وشكلًا من أشكال الحرية.

شارك المقال مع أصدقائك
الدبلوماسية الثقافية

هل تُمكّن الملاعب دهشة اللغة؟

الضحكة التي ملأتنا بعد صفارة الحكم في أستاد لوسيل لم تكن لأجلِ الفوز ذاته فقط، بل للفرحة التي انتشرت كالبرق من الدوحة حتى جبل طارق بفوز منتخبنا السعودي والمغربي، الفرحة التي رقصَ معها العالم العربي بهتافات عربية واحدة؛ ملأت البيوت ضحكاتٍ ودهشة لا تسعها وحدها.. ضجيج الهوية الذي صاح به فوز المونديال أعاد لنا أملا..

اقرأ المقال >>
22Asset 3

اشترك معنا لتصلك أحدث المقالات

Scroll to Top